ابن العربي
710
أحكام القرآن
وقد قال تعالى « 1 » : كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ . وأخبر تعالى أنّ العذاب واقع بهم لأجل سكوتهم عن المنكر المفعول ، والمعروف المتروك ؛ وهذا يدلّ على مخاطبة الكفار بفروع الشريعة ، وأنهم يعذّبون على تركها ، وإلى هذا المعنى أشار الصدّيق رضى اللّه عنه آنفا يقوله عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم اللّه بعذاب من عنده . وذلك إنما يكون مع القدرة على ذلك بيقين الأمن « 2 » من الضرر عند القيام به ؛ يدلّ عليه قوله في حديث أبي ثعلبة الخشني : فإذا رأيت شحّا مطاعا ، وهوى متّبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كلّ ذي رأى برأيه فعليك بخاصة نفسك ، ودع أمر العامة . وذلك لعدم الاستطاعة على معارضة الخلق ، والخوف على النفس أو المال من القيام بالحق . وتلك رخصة من اللّه عز وجل يسّرها علينا ، وفضله العميم آتاناه ، وقد بينا كيفية العمل فيه والاختلاف عليه . ويعضد ذلك الحديث الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « 3 » : من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده ، فإن لم يستطع فليغيّره بلسانه ، فإن لم يستطع فليغيره بقلبه ، وذلك أضعف الإيمان . ولهذا المعنى حدّث أبو سعيد الخدري مروان بن الحكم حين أراد أن يصعد المنبر قبل الصلاة في خطبة العيدين ، فقال له مروان : ذهب « 4 » ما كنت تعلم . فسكت أبو سعيد ، وذكر نحو الحديث المتقدم ؛ إذ لم يقدر على مخالفة الملك ، ولا استطاع منازعة الإمارة ، وسكت « 5 » . فإن قيل : لم لم يخرج عن الناس ، ولم يحضر بدعة ، ويقيم سنة مبدّلة ؟ قلنا : في الجواب وجهان : أحدهما - ما قال عثمان ، حين قيل له إنه يصلّى لنا إمام فتنة . قال الصلاة أحسن ما يفعل الناس ؛ فإذا أحسن الناس فأحسن معهم ، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم . الثاني - أن أبا سعيد لم يستطع الخروج ؛ فإن الموضع كان محاطا به من الحرس مشحونا
--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية 79 . ( 2 ) في ل : لبقاء الأمر . ( 3 ) صحيح مسلم : 69 . ( 4 ) في ل : أذهب . ( 5 ) في ل : فسكت .